أخبار ثقافية

إسماعيل يبرير هذا السبت بالصالون الدولي للكتاب لتوقيع روايته “وصية معتوه”

هذا السبت 02 نوفمبر 2013 ابتداء من الساعة 14 بجناح منشورات ميم B 18 (الصالون الدولي للكتاب) يوقع “إسماعيل يبرير” رواية “وصية المعتوه كتاب الموتى ضد الأحياء” الفائز بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، مرحبا بكم وجوهكم وحضوركم أهم تتويج.

لماذا نقتلُ؟

كان الرّائي الوحيد الذي عاش معي وعاش بعدي، فلم يره أحدٌ غيري، كان الرائي الذي يشرف عليّ ويقف شاهدا على كلّ ما مرّ بي موجودا بجانبي وبي في آن، لأجل هذا ظلّ سرّا لا يعلمه أحد، كنت أسمع صوته داخلي، ووضعت له ملامحه التي تناسبه، بدأت تلك الملامح تتغير تدريجيا إلى غاية أن أصبح الرائي آخرا، وأصبحت أنا ما أنا عليه، خلال سنواتٍ قفزت به من شكلٍ إلى آخر حسب تقدّم سني واقترابي من الواقع والمنطق، رغم أن كلّ حياتي لا تعترف بالواقعيّ والمنطقي، وإلا لما كنت هنا أصلا، سأرتمي في أحضانكم غيرَ مبالٍ، قد يحرجني هذا الرّائي أمامكم وقد يضعف من أركان حكايتي، وربما يجعلكم تشكّون فيّ، لكني لن أمارس أيّ إقصاء على كائن سرّي كان رفيقا لي في الخيال والحقيقة، لن أكون مثل الحاج بورقيبة الذي لم يمنح حرية لبناته، ولا كخالتي التاقية التي يسلبها ابنها السعدي حريتها، ولا كجدّي الذي يعيش أوهامه كأنها الواقع، ولا كأبي الذي أغفله التّاريخ وأغفل المستقبل فلم يشهد الحاضر، سأكون مثلي أنا، ودعونا نفترض أن اسمي هو إدريس نعيم، وأني ابن حيّ يسمى ديار الشّمس وفق اللافتة التي عُلّقت في إحدى أركانه، ويضمّه الناس إلى حيّ أكبر لا يمكن لأيّ أن يفصل بينهما هو “صون ميزون” أو مائة دار، دعونا نضفي على الحكاية بعض البهاء، فيصير حيي هذا محاطا بثلاث مقابر، مقبرة للنصارى وأخرى لليهود، وكبرى للمسلمين، وبين المقابر الثلاث حصن يُدعى “الحبس”، وهو سجن لم يحدث أن دخله أحد سكان الحيّ، لهذا فقد كنا نجهل تماما ما هو هذا الحصن الحصين الذي يجتمع أمام بابه العالي أهالي المساجين محمّلين بقُفَفِ الأكل والسجائر.

هل رأيتم أيّ وئام يحصل بين الموتى؟ هذا هو حوار الأديان الذي يتحدثون عنه، يحدثُ هذا الحوار على ضفاف وادي ملاح، ولن أترك لكم حرية في تخيّل هذا الوادي ومصدره وتوجهه، ولا تاريخه الحافل، وسوف أصدمكم وأعترف أنه مصدرٌ للرّوائح الكريهة أحيانا، ومأوى للأطفال المتشردين أحيانا، وطوفان يأتي على المدينة في كلّ عام ليأخذ القرابين، من أطفال وخرفان وفقراء، ولا أذكر أنّ وادي ملاح أخذ أحدا من وجهاء القوم.

يقول الرائي: أخذ وادي ملاح جدك يوما…

وأود أن أكذّبه، لكنني سألتزم الصّمت وأتركه يحكي هذه الجزئية التي أجهلها، ولعلّكم تتساءلون ما الذي يدفعني إلى تحرير الرّائي، رغم أنه لا يمكن أن يصل صوته أو كلامه إليكم؟ لم يكن ذلك بسبب صدقي الكبير، ليس لأني أشفق عليه، ولا لأنّ الحديث أثقلني، ربّما لو حصل هذا في وقت سابق لكان فيه بعض تلك الأسباب، أما الآن وأنا لا أشعر بشيء من هذا، فإني أفعل دون أيّ سبب، ربما أفعل لأني لم أعد بينكم ففي بعدي هذا لن أتحمّل نظرات الازدراء منكم، ولا تعليقاتكم القاسية، ولست مجبرا لتصوّر أحاديثكم وأحكامكم عني في غيابي، ببساطة لأني فوق الغياب.

يقول الرائي: كان جدّك رجلاً مهووسا بالمغامرة، لم يكن سباحًا، لكنَّ رغبةً ما اجتاحته للارتماء في أحضان الوادي أثناء هيجانه السّنوي، مشى على ضفته يقاوم تلك الرغبة، لكن رؤيته ليقطينة حزينةً تطفو على سطح الماء أجّج داخله تلك الرغبة، تأمّل اليقطينة وهي تتدحرج فوق الماء دون أية مقاومة، وأسرع يحثّ الخُطى نحو المكان يقربها من الضفة، فجأة ألقى بنفسه إلى الماء، غاص وغاصت اليقطينة، لكنها طلعت وحيدة وحزينة وبلا إرادة كما كانت، أما هو فقد طلع أو بدا جزء منه في جهة أخرى؟ كانت عيناه تغرق قبل جسمه، يأخذه الوادي السريع باتجاه ما، وهو يقاوم مرغما، يتخبط وقد نسي أمر اليقطينة، أخذه الماء حيث شاء، ورأى الموت ولعلّه مات، جدّك الذي كان على قدرٍ من الجذب الذي ورثته أنت، لم يفكر في نهاية لما أقدم عليه، ولم يكن بوسع أيّ سباح أن يمسك بجزء من جدّك، لهذا فقد عبث به الوادي وأخذه بعيدا عن الأبصار التي تجمّعت على الضّفتين، خرج به عن المدينة حتى أسلموا الأمر، وسارع بعضهم إلى جدّتك في بيت والدها على الضفة الأخرى من الوادي وفجعوها فبكت، ولأنّ الجذب الذي أصابكم به شيء من الحقيقة فقد نجت جدّتك ووالدك بأعجوبة عندما صعدوا أعلى قرميد البيت الذي التف عليه الماء، وحملتهم الطائرة العمودية الفرنسية بعيدا، بعيدا جدّا حيث لا تطالهم يد وادي ملاح ولا عين جدّك.

مراسلة خاصة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق